محمود بن حمزة الكرماني

53

اسرار التكرار في القرآن

استمرارا لا توجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة من جميع أنحائها في العالي منه إلّا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية ، فينقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه . وهذا الوجه الذي فطن إليه القدامى لا يحتاج إلى دليل على صحته ، فهذا القرآن بين أيدي الناس في كل مكان على مدى أربعة عشر قرنا ، وهذه كتب الأدباء ودواوين الشعراء هي الأخرى في كل مكان ، وهذا علم النقد الأدبي مكتمل المنهج لدى جميع النقاد ، وما وجدنا النقاد إلّا ويتناولون الإنتاج الإنسانى بالتشريح وكشف ما فيه من ظواهر المد والجزر في درجة الفصاحة والبلاغة ، وكشف ما يتداخله لا معنى له سوى المحافظة على جرس الكلام ، أو مداراة ما اعترى الفكر من فتور بتكرار الجمل على وجه الترادف والتكرار الخطابي الذي لا يبتدئ ولا يعيد . أما القرآن فلم يستطع النقاد أن يصلوا فيه إلى ثغرة ، أو إلى وجه من وجوه النقص الكثيرة في كلام البشر . كل ما قالوه : إن فيه تكرارا ، وقد رد عليهم الكرماني بكتابه هذا الذي نقدمه للقراء أبلغ رد وأفحمه لمكابر حقود . وقالوا : إن القرآن موضوعات شتى وسور لا رابط بينها ، وقد أخرجنا كتابا في هذا الموضوع هو كتاب ( أسرار ترتيب القرآن ) للإمام السيوطي . العنصر العالمي في إعجاز القرآن أشرنا إلى خطأ الإمام ابن عطية في تعميمه القول بأن الحجة قامت على العالم بالعرب في مسألة الإعجاز القرآني . ونزيد هنا : أن هذا القول قد يكون له بعض الوجاهة إذا فسرناه على أن عجز العرب المطبق عن معارضة القرآن بمثله ، وهم في الذروة